مفهوم الشخص

المحور الأول (1) هوية الشخص | مفهوم الشخص | مجزوءة الوضع البشري

تحيل هوية الشخص على  مجموع الصفات الجوهرية التي تؤلف وحدة الذات، وتميز الشخص عن غيره وتجعله مطابقا لذاته باعتباره هُوَ هُوَ، أي نفس الشخص طيلة مراحله العمرية وبغض النظر عن مختلف التغيرات الجسدية التي تطاله. كما تعني حقيقة الشخص الثابثة. وعموما، فالهوية الشخصية تفترض عدة خصائص، من أهمها: وحدة الذات، وتطابق الشخص مع ذاته، والثبات والاستمرارية في الزمان.

مثلا: هوية الشخص لا تتحدد بالصفات العرضية المادية المتغيرة، فهي لا تتحدد من خلال المظاهر الجسدية، لأن هذه الأخيرة متغيرة وزائلة، وإنما هي في الأصل عكس ذلك، تتحدد بما هو باطني جوهري ثابت، أي أنها من الناحية المبدئية تقاس بالثبات والتطابق، أما مبدأ الهوية  في المنطق فيقضي بأن الشيء دائما هو نفسه، فـ A دائما هي A  ، والشخص دائما هو نفسه، مما يعني كونها ثابتة ومطابقة لذاتها.

التأطير الإشكالي لقضية هوية الشخص

يتعرف كل شخص على ذاته ويميزها عن الآخرين، من خلال عنصر جوهري باطني ثابت، يصطلح عليه “بالهوية الشخصية” ، وتطلق الهوية الشخصية identité personnelle على الشخص باعتباره يبقى “هو هو” رغم ما قد يطرأ عليه من تغيرات خارجية، كما تدل عما يميز الذات عن غيرها. فعندما يستعمل الانسان لأول مرة كلمة “أنا” لكي يعبر عن ذاته وعن إرادته ورغبته، فإنه يدخل مرحلة الوعي بالذات وتشكل الهوية. وحين تأمل الفلاسفة والمفكرون قضية “هوية الشخص”  وجدوا ان لها ارتباطا بالمقومات الجوهرية المحددة للذات الانسانية ، وهنا طُرح اشكال الأساس الذي تقوم عليه، كما تم التساؤل أيضا عن طبيعة هذه الهوية وإذا ماكانت تظل ثابتة على حالها، أم أن هوية الأشخاص تطرح إمكانية التغير والتعدد. وهذا ما يقودنا إلى بسط الإشكال الفلسفي لهوية الشخص في ضوء التساؤل التالي:


أطروحة ديكارت | الفكر أساس هوية الشخص

وجود الغير ليس ضروريا لوجود الأنا ووعيها بذاتها

في سياق الإجابة عن الإشكال الفلسفي الذي تطرحه قضية “هوية الشخص”، يرى “ديكارت” أن: “العقل هو جوهر الذات الإنسانية وبدونه لا يمكن للإنسان أن يعي ذاته ويدرك وجوده ويبلغ الحقيقة، بما في ذلك حقيقة الوجود الذاتي والهوية الشخصية، ومن هنا فإن أساس هوية الشخص بنظره هو العقل والفكر، وما يؤكد بنظره هذه الحقيقة التي تحمل طابع البداهة والوضوح في الأصل هو أنه موجود بهذه الصفة حتى ولو كان نائما دائما، ومن خلال هذا يتبين أن حقيقة الأنا هي كونها ذاتا مفكرة، تستطيع أن تثبت وجودها من خلال هذا الفكر ذاته. الذي ينطلق من الذات ليعود إليها.


خطاطة-توضيحية-لمضمون-أطروحة-ريني-ديكارت-الفكر-أساس-هوية-الشخص-18

مفاهيم أطروحة ديكارت في الهوية الشخصية

  • الأنا: هي الذات الواعية التي تُرد إليها أفعال التفكير والوعي والشعور. وهي الجانب العاقل والواعي من شخصية الإنسان، وتقابل الآخر والعالم الخارجي. وتحيل حسب سياق النص على الشخص باعتباره ذاتا مفكرة.
  • الفكر: هو السمة الفطرية المميزة للموجود الإنساني الذي يُعرَّف بكونه ذاتا مفكرة، ويتجلى في مجموع أفعال العقل والتفكير التي تستعملها الذات أثناء وعيها لذاتها وإدراكها لوجودها.
  • الهوية الشخصية: وهي مفهوم مركزي يحضر ضمنيا، وتحيل حسب سياق النص على الحقيقة الثابتة للشخص، كما تعني في دلالتها الفلسفية العامة مجموع الخصائص والسمات الجوهرية التي تميز الشخص عن غيره وتجعله مطابقا لذاته، محافظا على وعيه بذاته عبر مختلف مراحله العمرية وبغض النظر عن التغيرات التي تلحق الجسد. فالهوية هي ما يجعل من الشخص “هو هو”; مطابقا لذاته.
  • الشخص: يشير إلى الإنسان، بما هو ذات مفكرة وواعية، وقادرة على التمييز بين الخير والشر والصدق والكذب وتتحمل مسؤولية أفعالها واختياراتها مسؤولية قانونية وأخلاقية.

وبتأملنا للعلاقات الدلالية التي تنسجها مفاهيم النص، يتضح لنا أن: “الفكر هو ما يشكل أساس هوية الشخص” حسب التصور الديكارتي، والفكر خاصية جوهرية ثابتة، به يُعرَّفُ الإنسان وبموجبه تتحدد ماهيته، وتتشكل هويته الشخصية.


أطروحة جون لوك | الوعي والذاكرة أساس هوية الشخص

جون لوك هوية الشخص معايير الحقيقة مشروعية الدولة

إن ما يجعل الشخص مطابقا لذاته حسب “جون لوك” John Locke رغم تغيرات الزمان والمكان هو الوعي أو الشعور المقترن بالذاكرة. فعن طريق التجربة الحسية للذات في الوجود، تتحول التأثيرات الحسية التي تأتي بها الحواس من العالم الخارجي إلى أفكار في الذاكرة منتجة وعيا ممتدا في الزمان، هذا الوعي هو الذي يربط أفعال الشخص الماضية بأفعاله الحالية فيجعله هو ذاته، متميزا عن غيره مما يعني أن الوحدة والاستمرارية هما ما يكون الهوية الشخصية في نظر “جون لوك.


أطروحة جول لاشوليي | تقوم هوية الشخص على وحدة الطبع وترابط الذكريات

جول لاشوليي-أساس هوية الشخص وحدة الطبع المزاج وترابط الذكريات

وخلافا لما عبرت عنه الفلسفة الحديثة (النزعة العقلانية والتجريبية) من تصورات بخصوص هوية الشخص، سيعبر “جول لاشوليي” Jules Lachelier في سياق الفلسفة المعاصرة عن تصور فلسفي ذو مرجعية نفسية سيكولوجية، فهو يرى أن الهوية الشخصية تقوم على عمل آليتين نفسيتين: دوام المزاج (الطبع) أي ردود الأفعال المطبوعة بطابع شخصي وترابط الذكريات. وينتقد التصور الماهوي لهوية الشخص القائم على فرضية وجود جوهر ثابت، فالهوية في نظره ليست شعورا أو وعيا قبليا، بل هي طبع متحول وذاكرة متغيرة، ويستند “جول لاشوليي” لتأكيد تصوره على حالات واقعية مثل تحول الإنسان من حال إلى آخر بين النوم واليقظة، وفقدان الذاكرة وبعض الحالات المرضية النفسية كازدواجية الشخصية.


تركيب:

ما يمكن استخلاصه من المعطيات السابقة بصدد إشكالية الهوية الشخصية، أن هوية الشخص تفترض تعدد الخصائص الجوهرية المميزة للإنسان، (العقل، الوعي، الشعور، الإرادة، الذاكرة..) كما انها يمكن أن تظل ثابتة، كما يمكن أن تتغير. ولفهم حقيقة الشخص يتطلب الأمر استحضار مقومات فلسفية وسيكولوجية أخرى، فهوية الشخص تتحدد بماهيته كذات واعية تمتلك جوهرا ثابتا، وهو الفكر والشعور والإرادة، مما يجعلها هوية فطرية. كما تتحدد بتكوينها النفسي الذي يكسبها طبعا وذاكرة، وقد تتحدد أيضا بتكوينها الاجتماعي إذ تترسخ لديها داخل المجتمع قيم ومعتقدات مما يجعلها هوية مجتمعية تختلف من مجتمع لآخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى