مفهوم المجمتع

الفرد والمجتمع

الفرد والمجتمع

التأطير الإشكالي لقضية الفرد والمجتمع

حين نفكر في طبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع، فالأمر هنا يستدعي الكشف عن مدى التأثير الذي يمارسه كل طرف على الآخر. فإذا كان المجتمع من الناحية المبدئية سابق في وجوده على وجود الأفراد، فهذا يعني أن الفرد بعد ولادته يجد أمامه مجتمعا جاهزا، يوفر له مجموعة من الظروف والشروط التي تساعده على النمو والتعلم وتطوير قدراته ومهاراته في عدة مجالات مما يُكسبه لاحقا نوعا من النضج العقلي والسلوكي، كما يعمل المجتمع باستمرار على تعزيز مواهب الأفراد وقدراتهم بالدعم والتشجيع، وهكذا فالأفراد بدورهم عندما يصلون إلى مستوى من النضح الفكري والمعرفي، أو يعبرون عن قدرات إبداعية وإنجازات أو ابتكارات ذكية… فهم يساهمون بدورهم في إغناء المجتمع والتأثير عليه إيجابيا، مما يعني أن تقدم الحياة الاجتماعية تعتمد أيضا على ما هو فردي.

يبدو إذن أننا بصدد إشكالية فلسفية يمكن التعبير عنها من خلال التساؤلات الفلسفية التالية: ما الفرد؟ وما المجتمع؟ وما طبيعة العلاقة بينهما؟ وأيهما يؤثر في الآخر؟ هل الفرد يؤثر على المجتمع؟ أم المجتمع يؤثر على الفرد؟ أم بينهما علاقة تأثير وتأثر متبادل؟ وكيف يحدث هذا التأثير؟

أطروحة نص نوربرت إلياس

       يجيب “نوربيرت إلياس” عن الإشكال المطروح بصدد العلاقة بين الفرد والمجتمع بالقول أنهما وجهان لعملة واحدة، حيت الطريقة التي يتبعها الفرد في التفكير والسلوك تستمد طابعها الاجتماعي من العلاقة بالغير، حيث المجتمع يطبع الفرد في أناه الخاصة، والفرد بدوره يطبع المجتمع أيضا، لذلك لا يمكن للواحد منهما أن يوجد من دون الآخر، فليس المجتمع شيئا من دون أفراده وهو ليس موضوعا معزولا في مقابل أفراد منعزلين، بل هو على حد تعبير صاحب النص “نوربرت  إلياس” )ما يُتضمن في قول كل واحد منا عندما نصرح نحن)، مما يعني خضوع الفرد لنوع من الإشراط الاجتماعي.

هذا وقد تضمنت أطروحة النص مجموعة من المفاهيم التي لابد لنا من الإحاطة بدلالاتها الفلسفية وعلى رأسها، “مفهوم المجتمع”، “الفرد” “الإشراط الاجتماعي”.

مفاهيم نص نوربيرت إلياس

يُعرف “المجتمع” في المعجم الفلسفي “لأندري لالاند” لـAndré Laland  باعتباره “مجموعة من الأفراد والجماعات، تربطهم علاقات منظمة ومصالح متبادلة”، أما “مفهوم الفرد” فيشير إلى الإنسان باعتباره عضوا ينتمي إلى جماعة بشرية محددة المعالم، أي الإنسان كذات مستقلة لها وجود خاص، في حين يشير “الإشراط الاجتماعي” إلى التعلم الارتباطي الذي يؤثر من خلاله المجتمع في الفرد، حيت يعمل الأفراد باستمرار على محاكاة سلوكات وأفعال الآخرين، ويحدث التعلم الإشراطي نتيجة تعزيزات وتحفيزات المجتمع للأفراد باستمرار. وانطلاقا من العلاقة القائمة بين المفاهيم يمكن القول بأن “المجتمع يؤثر في الأفراد، بفعل “الإشراط الاجتماعي” مما يمكنهم من التأثير في المجتمع لاحقا”.

حجاج النص

وفيما يلي بعض أهم الحجج التي دافع من خلالها صاحب النص عن أطروحته، حيث تحضر في الفقرة الأولى حجتي العرض والتقابل، بحيث قام صاحب النص بعرض الحوار الذي كان  دائرا بين طرفين متقابلين، أحداهما يدافع عن الفرد باعتماد حجج معينة، والآخر يدافع عن المجتمع باعتماد حجج مقابلة، كما أنه أكد على دور المجتمع في التأثير على الفرد وهي “حجة واقعية” بالقول: “إذا كان المجتمع يطبع الفرد في أناه الخاصة، فإن الفرد بدوره يطبع المجتمع” إضافة إلى هذا تحضر حجتي التشبيه و التقابل بحيث يشبه الفرد بالعملة النقدية والمجتمع بالآلة الطابعة ليبين أن الفرد بمثابة الموضوع المطبوع والآلة الطابعة على حد سواء، وفي الفقرة الأخيرة أدلى “بحجة منطقية” من داخل قواعد اللغة التي نتكلم بها بالقول “أن المجتمع هو ما يُتضمن في قول كل واحد منا عندما يصرح نحن” حيث لا يمكن لضمير الجمع “نا الجماعة” أن يوجد من دون الضمائر الأخرى. إذن نستنتج أن الفرد والمجتمع وجهان لعملة واحدة وطبيعة العلاقة بينهما تقوم على التأثير والتأثر.

قيمة وحدود الأطروحة

وبتفكيرنا في “قيمة أطروحة النص” نجد أنها تكتسي أهمية واقعية حيث لا يمكن تصوير مجتمع من دون أفراده، فهو الذي يؤثر على الأفراد إيجابا حين يعمل باستمرار على تلقينهم أساليب التفكير والسلوك، كما أنه من يعد لهم شروط وظروف التميُّز والإبداع والإنجاز الخلاق، لكن الفرد بدوره حين يكتسب ما يؤهله لتحقيق ذاته معرفيا وعلميا ومهراتيا فهو بدوره يؤثر على المجتمع مساهما في تطويره في شتى المجالات. لكن، مهما كانت أهمية هذه الأطروحة فصاحب النص لم يبين الكيفية التي يحدث بها هذا التغيير من كلا الطرفين.

المناقشة الخارجية

وانسجاما مع أطروحة “نوربرت إلياس” يرى عالم الاجتماع الفرنسي “إميل دوركايم” أن المجتمع سابق في وجوده على وجود الأفراد وهو يؤثر عليهم عن طريق عملية التربية التي تنقل إليهم مختلف أنماط وأساليب السلوك بحيث يعمل “العقل الجمعي” على تطعيم “العقل الفردي” الذي يعمل باستمرار على استدماج واستدخال معطيات المحيط الثقافية والاجتماعية وإدماجها في بنية شخصيته على شكل معايير وضوابط تأهله للامتثال للظاهرة الاجتماعية لاحقا.

و في نفس السياق الذي عبر عنه “إميل دوركايم” يرى عالم الاجتماع الإنجليزي المعاصر “أنطوني غيدنز”. أن الآلية التي تسهم في تعليم الفرد ثقافة وقيم مجتمعه هي ( التنشئة الاجتماعية ) التي تلعب دورا أساسيا في تكوين الفرد و تلقينه القيم و المعايير الأخلاقية وطرائق السلوك المناسبة التي تشكل أساس الهوية الثقافية، حيت يرتقي الفرد من عالمه الفردي إلى العالم الاجتماعي، موضحا أن هذه العملية تجري في صورتها الأولية داخل الاسرة والعائلة، يكتسب فيها الطفل اللغة وما يشكل أساسا للتعلمات اللاحقة، لتليها بعد ذلك التنشئة الاجتماعية الثانوية التي تحدث في مراحل لاحقة من الطفولة، حيت تتولى عوامل أخرى بعض الأدوار والمسؤوليات التي كانت تقوم بها العائلة و من بينها ” المدرسة، وجماعة الاقران، ومختلف المؤسسات الاجتماعية، ووسائل الاتصال والاعلام ” حيت تسهم كل هذه التفاعلات في تعليم الفرد منظومات القيم والمعايير والمعتقدات التي تشكل الأنماط والعناصر الأساسية للثقافة.

تركيب محور الفرد والمجتمع

          نخلص في نهاية التحليل والمناقشة بصدد إشكالية “العلاقة بين الفرد والمجتمع” أن بينها علاقة تأثير وتأثر متبادلة، حيث يبدو جليا أن للمجتمع تأثيرا واضحا على الأفراد بفعل الإشراطات الاجتماعية المتلاحقة التي تعمل باستمرار على صقل شخصياتهم وإكسابهم أساليب التفكير والسلوك، الشيء الذي يمكنهم لاحقا من ممارسة تأثير متبادل على المجتمع الذي نشأوا فيه، كما يعمل المجتمع من خلال التنشئة الاجتماعية على تلقين الأفراد أساليب الحياة والثقافة عبر مراحل تبدأ من الأسرة والعائلة وتمتد عبر عوامل أخرى كالمدرسة ومؤسسات المجتمع المدني بما فيها الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ومن وجهة نظري الخاصة أرى أن المجتمع يشكل البيئة والتربة الخصبة لتحقيق نمو سليم ومتوازن للأفراد، فإن صلح المجتمع صلح باقي الأفراد، غير أن الفرد مطالب باستمرار على بذل مجهود فكري ومعرفي لتحقيق الصورة المنتظرة اجتماعيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى