المحور الثالث: (3) العدالة بين الإنصاف والمساواة
المحور الثالث العدالة بين الانصاف والمساواة
تمهيد للمحور:
العدالة بوجه عام، هي احترام حقوق الغير والدفاع عنها، أو الإخلاص إلى واجباتنا نحو الغير. وهذا المدلول للعدالة يتضمن وجود الإنصاف والنزاهة والمساواة والمصلحة العامة في ممارسة العدالة. وأبرز أشكال العدالة : العدالة الأخلاقية التي تعني تطبيق القواعد الأخلاقية بإيعاز من الضمير، و العدالة القانونية التي تتطلب طاعة القانون بإنصاف، والعدالة الاجتماعية التي يقصد منها تحقيق مجتمع عادل. فالعدالة وثيقة الـصلة بالمساواة، إذ أن فكرة المساواة ارتبطت دوما بفكرة الحق ووجدت لها أصولا فلسفية لدى كل من أفلاطون وأرسطو، حسب ما كان عليه المجتمع اليوناني القديم، كما وجدت لها توكيدات في التشريعات الحديثة وترتبط العدالة كذلك بالإنصاف، بوصفه الحكم العادل الصادر عن احترام روح القوانين، وليس عن التطبيق الحرفي لها. فالعدالة باعتبارها إنصافا تدل على إعطاء كل فرد ما يستحقه، وفق مبدأ تكافؤ الفرص فهل العدالة إذن مساواة أم إنصاف؟ وفيم يتجسد هدفها هل في تحقيق المساواة، أم في تحقيق الإنصاف؟
أطروحة أرسطو النص رقم 5 ص 167
اذا كانت العدالة قائمة على مبدأين هما: مبدأ المساواة، ومعناه ان الجميع يخضع للقانون، ومبدأ الإنصاف، الذي يؤكد ان العدالة والإنصاف متطابقين، ورغم ذلك فإن الإنصاف أفضل، لأنه يعتبر الشرط الأساسي لتصحيح ما يلحق العدالة ، عند تطبيقها، من أخطاء ناجمة عن عمومية قوانينها و معنى هذا القول هو أنه إذا كانت العدالة هي ما يطابق القانون، وكان القانون يتميز بعموميته والمامه فقط بالحالات المألوفة والعادية، ولا يتضمى تدقيقا لكل الحالات النوعية والخاصة، فإن الإنصاف لا يعني العدالة طبقا للقانون فقط، بل بالأخرى يعني العدالة انطلاقا من تكييف ما هو قانوني مع الحالات النوعية والخاصة وتصحيحه وتجاوز أخطائه الناجمة عن عموميته. ولذلك فإن المنصف هو العادل، بل هو أعلى من العادل يشكل عام لكن ليس مقارنة مع العادل في حد ذاته بل مقارنة مع عمومية العدالة التي يسبب عموميتها تحتوي على الخطأ. ب أن العدالة، في منظور ارسطو، ليست مساواة فقط، بل هي أيضا ،انصاف، فإذا كانت قوانين العدالة تتميز بعموميتها، فإن الإنصاف وحده يكيفها ويجعلها تستقيم مع الحالات النوعية والخاصة.
أطروحة “جون راولز” النص رقم 6 ص 168
حاول الفيلسوف الأمريكي المعاصر جون راولس (1921-2002) في كتابه “نظرية العدالة”، تطوير التقليد الأرسطي بخصوص العدالة، مؤكدا أن هذه الأخيرة تقوم على قاعدة الإنصاف، وهي قاعدة تقصى من جهة، حق كل شخص في الاستفادة بالتساوي من الحقوق الأساسية ومن جهة ثانية، اعتبار اللامساواة الاجتماعية مقبولة عقليا، إذا ما سمح لجميع الأفراد ببلوغ مراتب ووظائف عليا في المجتمع وفقا المبدأ تكافؤ الفرص ومعنى هذا أن الإنصاف اساسي لتحقيق العدالة، ذلك أن العدالة تقوم على قاعدة الإنصاف وهى قاعدة تقتضي أولا حق استفادة كل الأفراد من نفس الحقوق الأساسية على قدم المساواة، كما تقتضي ثانيا عدم وضع عوائق أمام أولئك الذين سمحت لهم مواهبهم وظروفهم الاجتماعية ببلوغ أعلى المراتب الاقتصادية والاجتماعية الثروة والسلطة على أن يفسح المجال أيضا للذين هم أقل منهم، في إطار تعاون جماعي ارادي لبلوغ
نفس المراتب واقتسام الثروات ت ان العدالة، حسب منظور ،راولس قائمة على قاعدة الإنصاف فهي تقوم على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات وعلى مبدأ الإنصاف في الثروة والسلطة.
استنتاج حول المحور الثالث:
يتضح في نهاية هذا المحور أن العدالة ليست مساواة فقط، بل هي كذلك إنصاف، فهي لا تعني التطبيق الحرفي للقوانين بشكل يضمن تساوي الأفراد في الحقوق والواجبات الأساسية فقط، بل تعني أيضا الأخذ بروح القانون وتكييفه مع الحالات الخاصة، ومن ثمة فسح المجال لذوي المواهب لنيل ما يستحقونه اقتصاديا واجتماعيا.