مفهوم الغير

المحور الثالث (3) العلاقة مع الغير | مفهوم الشخص | مجزوءة الوضع البشري

المستوى الإشكالي:

إن العالم الذي نوجد فيه هو عالم نتقاسمه مع الآخرين، وعلاقتنا بهم تكتسي طابعا ضروريا، حيث لا يوجد الأنا إلا في علاقته مع غيره ولا يستقيم وجوده ويصبح ذو معنى إلا بمقدار التفاعل مع الغير، إلا أن هذه العلاقة في الواقع الفعلي ليست دائما شفافة، فهي ذات بعد إشكالي مركب، تختلف وتتنوع تبعا لأوجه الغير ونظرة الذات إليه. قد تتخذ هذه العلاقة مظاهر إما سلبية أو إيجابية، الشي الذي يجرنا إلى طرح الإشكال من خلال التساؤل الفلسفي التالي:

المستوى التحليلي:

  1. الصداقة والغيرية نموذجان للعلاقة الإيجابية مع الغير
    1. 1 الصداقة: Amitié

أطروحة “أرسطو” Aristote (322-348 ق.م) التكامل أساس العلاقة مع الغير.

في إطار معالجة إشكالية العلاقة بين الأنا والغير، يعبر “أرسطو” عن أطروحة جوهرية مؤداها أن “الصداقة هي النموذج الإيجابي لكل علاقة بين الأنا والغير؛ وهي قيمة اجتماعية وأخلاقية مثلى تروم تحقيق الفضيلة” ويميز أرسطو في الصداقة بين ثلاثة انواع هي: صداقة المنفعة، وصداقة المتعة، ثم صداقة الفضيلة. وتعتبر هذه الأخيرة، بمثابة الصداقة الحقة لأنها تقوم على محبة الخير لذاته أولا، ثم للأصدقاء ثانيا، ولذلك فهي تدوم وتبقى. ومن خلال صداقة الفضيلة يمكن أن تتحقق صداقة المنفعة والمتعة أيضا، ولكن ليس كغايتين بل كنتيجتين لصداقة الفضيلة. وينتهي أرسطو إلى التأكيد على أنه مع قيام صداقة الفضيلة تتحقق العدالة. فالفضيلة أساس الصداقة  والصداقة أساس العدالة.

III المستوى النقدي (المناقشة):

أطروحة “إمانويل كانط”  E.Kant (1804-1724) الصداقة حب واحترام.

هذا التصور الأرسطي القديم للصداقة، نجد مثيلا له في الفلسفة الحديثة، مع الفيلسوف الألماني إمانويل كانط، الذي يعتبر الصداقة علاقة تكامل مهع الغير، ويؤسسها على الواجب والإرادة الأخلاقية ويعرفها باعتبارها علاقة إنسانية، تجمع بين مشاعر الحب والاحترام المتبادل بين الأنا والغير. ويرفض كانط أن تقوم الصداقة على المنفعة فهي ليست وسيلة بل غاية وواجبا عقليا صادرا عن إرادة طيبة وعلى مبادئ كونية تتجسد في احترام الذات والغير والانسانية.

أطروحة أوجيست كونت ”  A. Conteالغيرية غاية إنسانية مُثلى”

في كتابه “مواعظ وضعية”، يمنح عالم الاجتماع الفرنسي أوجيست كونت للغيرية معنى إيجابيا، حيث يؤكد بأن الشخص، لا يعيش لأجل ذاته فقط، بل يجب عليه أن يحيا من أجل الغير. إن الغيرية تضحية ونكران للذات. ومهما حاول الفرد فإنه لا يستطيع أن يرد للانسانية ولو جزءا قليلا مقابل ما تلقاه منها . فكل شيء فينا يقول “كونت” يأتينا من الانسانية: الحياة والثروة والمعارف والحنان والحماية… إن نشر قيم العقل والعلم والتضامن والسلم، في العالم رهين بالغيرية وبكبح الميولات الفردية والتخللي عن الأنانية الهمجية. إن الأنا مطالب بأن يجعل نفسه في خدمة الغير والانسانية جمعاء لأن ذلك هو السبيل الوحيد لإغناء الوجود االانساني.

  1. الغرابة والصراع نموذجان للعلاقة السلبية مع الغير.
    1. 1 الغرابة Etrangeté

أطروحة جوليا كريستيفا “الغريب يسكننا على نحو غريب

أطروحة جوليا كريستيفا "الغريب يسكننا على نحو غريب"

ليس الغريب في نظر كريستيفا هو ذلك القادم دوما من خارج الجماعة والذي يهدد تماسكها وانسجامها، ليس هو الأجنبي الدخيل، وإنما الغريب هو الذي يسكن داخل الجماعة ، لأن كل جماعة تحمل غريبها داخلها بحكم تناقضاتها واختلافاتها الداخلية، وهذا ما يفهم من عبارة كريستيفا ” إن الغريب يسكننا على نحو غريب”ن وعليه لا ينبغي ان يكون موقفنا من الأجنبي والدخيل هو النبذ والعنف والإقصاء والتهميش لانه لا يشكل بالضرورة السبب في المشاكل التي نعاني منها.

أطروحة “ألكسندر كوجيف” الصراع أساس العلاقة مع الغير.

يؤكد كوجيف استنادا على فلسفة هيجل أن علاقة الأنا بالغير ضرورية لا تقوم على التعاطف والتكامل بل على الصراع، وهو صراع حتى الموت من أجل تبادل الاعتراف بالذات والغير هو شرط وجودهما. وهذا الصراع ينتهي إلى علاقة غير متكافئة بين الطرفين، أحدهما يكون سيدا ولآخر عبدا. وهكذا فتاريخ الإنسانية في نظر كوجيف هو تاريخ صراع عبودية وسيادة، حرية واستلاب، إنه تاريخ يقوم على مبدأ الهيمنة في العلاقات الانسانية.

IV: المستوى التركيبي:

نستخلص مما سبق ان علاقة النا بالغير، غير واضحة، بل ملتبسة ومعقدة، فقد تقوم على الصراع والغرابة أو الصداقة والتكامل، إنها علاقة مفتوحة على كل الإمكانات والإحتمالات. فقد يكون الغريب قريبا يعترف بنا، أو غريبا يتجاهلنا، قد يدافع عن حقيقتنا ويعمل على إغناء وجودنا، وقد يشيئنا ويجردنا من هذه الحقوق.

زر الذهاب إلى الأعلى